القائمة

ليلة القدر فضائلها وكيفية تحريها

ليلة القدر فضائلها وكيفية تحريها

الحمد لله الذي جعل لنا في دهرنا نفحات، وشرَّف أمتنا بليلة القدر التي تضيق الأرض بملائكتها وتتسع بها القلوب لأنوار ربها، ليلةٌ هي بوابة الوصل العظمى، وميراث النبوة الخالد الذي يُجدد فينا العهد مع الله ومع القرآن الكريم.

 أسرار التسمية ودلالات القدر

لقد استنبط علماء الأمة من جلال تسميتها “بليلة القدر” أسرارًا تجعل قلب السالك يتقلب بين مقام الهيبة وعظمة القدس، وبين مقام الرجاء وسعة الفضل الإلهي:

تقدير المقادير: فيها تُبرم أحكام السنة وتُنقل من اللوح المحفوظ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: “يكتب في أمِّ الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنَة من الخير والشرِّ والأرزاق والآجال” [التفسير البسيط (٢٠/‏٩٥) الواحدي].

عظمة الشأن: فهي ليلة ذات “قدر” وقيمة؛ لأن العظيم أنزل فيها كتاباً ذا قدر، على رسولٍ ذي قدر، لأمةٍ ذات قدر.

قدر العمل: العبادة فيها تزن في ميزان الله أكثر من عبادة ٨٣ سنة؛ لقوله تعالى: ﴿لَیۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَیۡرࣱ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرࣲ﴾ [القدر: ٣].

إنزال القرآن: ليلة الشرف التي اتصلت فيها السماء بالأرض بنزول الوحي الخالد.

 

 التماس الأنوار في العشر الأواخر

المنهج النبوي الشريف يعلمنا أن هذه الليلة تُطلب في العشر الأواخر من رمضان، وفي الأوتار منها آكد،

فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «تَحَرَّوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» [البخاري (٢٠١٧)]، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» [البخاري (٢٠١٥) ومسلم (١١٦٥)].

ومال كثير من العلماء لليلة السابع والعشرين بقرائن عددية وروحية، لكن العبد الرباني يجتهد في العشر كلها لينال فضلها.

 

 حكمة إخفاء ليلة القدر والتحذير من الشحناء

لعل البعض يتساءل عن سبب رفع تعيينها؟ وفي رفع تعيين وقتها حكم كثيرة منها: أن يبقى المسلم في حالة يقظة دائمة، والسر الأهم هو التنبيه على شؤم العداوة والشحناء، فقد روى سيدنا عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ» [البخاري (٢٠٢٣)].

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له، فلما انقضين أمر بالبناء فقوِّض، ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر، فأمر بالبناء فأعيد، ثم خرج على الناس فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا كَانَتْ أُبِينَتْ لِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَإِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِهَا، فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحْتَقَّانِ مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَنُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ».

وعندما نتأمل في هذا الهدي النبوي الشريف نجد أن سيدنا رسول الله ﷺ حين ندبنا لاغتنام هذه الليلة ببركاتها التي تفيض على الزمان، أراد أن يرسل رسالة تحذيرية شديدة من عملٍ هو من أبغض الأشياء إلى الله، وهو الشحناء، التي تخرب الديار والقلوب، فهي إذا استقرت في القلب أفسدته، ولا تسللت إلى روحٍ إلا وزرعت فيها أشواك البغض والكراهية، إنها الحجاب الذي يقطع الأرحام، ويفكك روابط الألفة بين الجيران والخلان، ومن هنا كانت مقاصد الشريعة حريصة على اجتثاث غوائل الحقد، فوضعت من الآداب والمبادئ ما يحمي المسلم من السقوط في مهالك التقاطع والتدابر، لتظل القلوب صافيةً صالحةً لاستقبال تجليات ليلة القدر.

 

 من علامات ليلة القدر

إن لليلة القدر سكينةً تفيض على ملكوت الأرض، وجمالاً روحانيًّا يملأ جوانب النفس بالخمود عن الشهوات والترقي في الأنوار، وهو حالٌ يُذاق ولا يُوصف، ويُحس ولا يُحد، وقد جعل الحق سبحانه لهذه الليلة أمارات يُبشر بها أهل الوصل، ومن علاماتها:

  • أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها: عن زر بن حبيش قال: “سألت أُبيَّ بن كعب رضي الله عنه فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، فقال رحمه الله: أراد أن لا يتكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر ؟ قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها” [مسلم (٧٦٢)].
  •  ليلة طلقة لا برد فيها ولا حر: فعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: عن النبي ﷺ قال: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةٌ طَلِقَةٌ لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، تُصْبِحُ الشَّمْسُ يَوْمَهَا حَمْرَاءَ ضَعِيفَةً» [مختصر قيام الليل وقيام رمضان لمحمد بن نصر المروزي (١/‏٢٥٨)].
  •  الملائكة في الأرض أكثر من عدد الحصى: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال عن ليلة القدر: «إِنَّهَا لَيْلَةُ سَابِعَةٍ أَوْ تَاسِعَةٍ وَعِشْرِينَ، إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى» [أحمد (١٠٨٨٥)].

 

 برنامج أهل الله في ليلة القدر

على السائرين إلى الله تعالى أن يتخلقوا بأخلاق المصطفى ﷺ في هذه الليالي، ومن سيرته الواردة فيها:

  • الاعتكاف: فهو يجمع الهمَّ على الله بالانقطاع عن الشواغل، فعن عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» [البخاري: (٢٠٢٦)].
  • مدارسة القرآن الكريم والجود والكرم: عن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: “كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ” [(البخاري (٦)].
  • القيام: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفر لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [البخاري (١٩٠١)، ومسلم (٧٦٠)].
  • إيقاظ الأهل: فتُشيع في بيوتنا روح العبادة ويتعرض الجميع لنفحات الرحمن سبحانه وتعالى، فقد كان ﷺ «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ» [البخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤)].
  • الدعاء والتضرع والافتقار لعفو الله تعالى: علمنا سيدنا رسول الله ﷺ أن غاية المطلب هي العفو، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أيَّ ليلةٍ ليلةَ القدر ما أقول فيها؟ قال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» [الترمذي (٣٥١٣)].

 

 كيف تتعبد الحائض والنفساء إلى الله تعالى ليلة القدر؟

وعن كيفية اغتنام الحائض والنفساء لليلة القدر، وعدم تضييع هذه المنحة الربانية، فقد أجابت دار الإفتاء المصرية عن هذا في فتوى برقم (٧٩٣٨) بعنوان: كيف تتعبد الحائض والنفساء إلى الله تعالى ليلة القدر؟ وهل يعتبر قيامًا لهذه الليلة المباركة؟

الجواب:

يمكن لذواتِ الحيض والنفاس أن يُحْيِينَ ليلة القدر بترك ما منعهنَّ الشرع الشريف منه حال العذر إذا قصدن الامتثال في الترك، ثم يفعلن ما تيسر لهنَّ من الطاعات والقربات، فيغتنمنَ الليلة بالإكثار من الذكر، والاستغفار، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، والصلاة على النبي الأمين، والتصدق، والدعاء بالمأثور وغيره، وسماع القرآن والإنصات إليه، وقراءته بالعين لا باللسان على الذِّكر لا التعبد، وأن يَنوِينَ الطاعة والعبادة بما يُقَدِّمْنَه لبيوتهنَّ وأهلهنَّ وبما يعينهن على الطاعة في تلك الليلة فيَحصُل لهنَّ الأجر والثواب، ويزيد على ذلك أنهنَّ يُثَبْنَ عما كان يمكن أن يفعلن ما لم يمنعهنَّ العذر؛ لأنهنَّ مُبْتَلَياتٌ بأمر خارجٍ عن استطاعتهنَّ.

 

 الخلاصة

ليلة القدر هي فرصة العمر وموسم التجلي، فاجعلوا قلوبكم أوعيةً لرحمة الله، وطهروها من الكراهية لتستقبلوا أنوار الملائكة، اللهم اجعلنا ممن نال عفوك، واتصل بمددك، وفاز بشفاعة نبيك ﷺ في هذه الليلة المباركة.